محمد كويمن
كان لابد من سقوط ضحية، لإعلان الحملة ضد كل هذه الفوضى، التي يتفنن فيها شريحة كبيرة من مستعملي "التريبورتور"، ويتم الكشف عن ضبط، مباشرة بعد وقوع حادثة حي الجيراري، وفي ظرف قصير جدا، ما يفوق 30 مخالفة لقانون السير تخص أصحاب هذه الدراجات الثلاثية العجلات، الذين كانوا يتجولون بكل حرية، وكأن مصالح الأمن بطنجة، المكلفة بمراقبة السير والجولان، لم تكن تعلم بما يقع بشوارع المدينة، وظلت تنتظر فاجعة مقتل قاصر وإصابة 11 آخرين من ركاب "التريبورتور"، لتمارس دورها في التصدي لتجاوزات سائقي هذه الناقلات، كما سارع برلماني المدينة محمد نجيب بوليف، كاتب الدولة لدى وزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء المكلف بالنقل، إلى طمأنة الرأي العام، حين بشرنا مشكورا، بأن الحكومة "ستعمل على الزجر التام لكل التجاوزات التي يرتكبها أصحاب التريبورتورات"، فماذا تريدون أكثر من هذا، والحكومة كشرطة حوادث السير لا تتدخل إلا في حالة إشعارها بوجود الدم بعين المكان، وغير ذلك لكم دينكم ولا تتدخلوا في دينهم، فقط عندما تحضر تلك الغاية التي لا تفارق نفس يعقوب..
وقد اعتادت إدارة الأمن بطنجة نهج أسلوب الحملات، ولا تتحرك إلا تحت الضغط، حين يصير الفعل الإجرامي حديث الخاص والعام، وفي مرات عديدة كان يتم نفي استفحال بعض المظاهر الإجرامية لدرجة القلق، كالاعتداءات المتكررة والسرقة بالعنف باستعمال الأسلحة البيضاء وترويج المخدرات القوية، لكن بعد ارتفاع شكايات الساكنة، وبضغط من الإدارة المركزية، يتم تنظيم حملات أمنية ظرفية، سرعان ما تكشف حصيلتها عن تصاعد معدل انتشار الجريمة بالمدينة بوتيرة سريعة، يستحيل معه محاربتها بسياسة الحملات المناسباتية المعمول بها لتهدئة غضب الرأي العام.
واعتماد أسلوب الحملات، هو في حد ذاته مؤشر على غياب عمل منظم برؤية استراتيجية، الأمر الذي يفرض الحملة كأداة فعالة، من وجهة نظر الداعين إليها، لمواجهة مختلف الإخفاقات في شتى المجالات، حين تتخطى عتبة الإكراهات، وتحقق نتائج مؤقتة، قبل أن تعود حليمة ومن معها إلى عاداتهم القديمة، بحثا عن حل مفقود بين زحمة الحملات المكررة.
ومع ذلك يستمر العمل بالحملة، كمعيار أمني، يوظف لتخطي الفشل في التدبير، في انتظار ولادة منظومة منهجية، تُمارس دورها وفق اعتبارات موضوعية، لمواكبات حركية المجتمع في مواجهة كافة المظاهر المشبوهة المسيئة للمدينة، دون ترقب سقوط المزيد من الضحايا لإعلان في كل مرة حملة جديدة..
