طنجاوي – يوسف الحايك
ولكأنه يهوّن عليها عناء رحلة نحو المجهول، أسند عنصر القوات المساعدة سيدةً طاعنةً في السن، لم تُسعفها عصاها الخشبية على مقاومة قدميها اللتين ما عادتا تقويان على حمل جسدها النحيف المنهك.
جنبا إلى جنب مع ابنها كانت الحاجة فاطمة (إسم مستعار)، تسير، تحت مظلة يحملها قريب لها لعلها تقيهما معا قطرات، مطر كانت ترجوها نعمة، فاستحالت نقمة تواجهها بالإصرار على الانتصار للحياة.
غير بعيد، يتقاسم عناصر القوات المساعدة مع خديجة (إسم مستعار) السيدة الأربعينية في حمل قليل المتاع من حقيبة ملابس وبطانية تقيها صقيع البرد إلى حافلة مخصصة لنقلها حيث سيستقر بها المقام في مدينة العرائش بمعية آخرين، بعد أيام من القلق والخوف.
وجرى ذلك، التزاماً بالإجراءات الوقائية التي أعلنت عنها السلطات العمومية، بتنفيذ فعلي لمختلف أجهزة الدولة في مقدمتها القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والأمن الوطني والقوات المساعدة، والوقاية المدنية والسلطات المحلية، والهلال الأحمر المغربي.
ولا يختلف حال كل من الحاجة فاطمة وخديجة عن الآلاف من ساكنة القصر الكبير ممن أجبرتهم السيول والفيضانات على مغادرة منازلهم طوعا وكرها بحث عن الأمان، بعد قرار السلطات المغربية إخلاء المدينة، إثر ارتفاع غير مسبوق في نسبة ملء سد واد المخازن إلى 146.85 في المائة، بمخزون مائي يصل إلى 988 مليون متر مكعب.
وعلى ضفاف نهر اللوكوس ضواحي المدينة، يزداد الوضع صعوبة، إذ وجد العشرات من سكان أولاد أوشيح أنفسهم مضطرين لمغادرة منازلهم هم وماشيتهم، نحو
دوار الحجرة.
واشتكت مجموعة منهم في تصريحات استقاها "طنجاوي" من صعوبة توفير العلف والكلأ لماشيتهم التي نفق عدد منها في ظل الظروف المناخية الصعبة، لكونها المصدر الرئيسي لتوفير لقمة العيش لهم ولأسرهم.
إجلاء
هذا الوضع، دفع السلطات العمومية إلى اعتماد الإجلاء التدريجي لسكان مجموعة من الجماعات، حرصا على سلامتهم وفق منهجية تراعي درجات الخطورة وحجم الأضرار المتوقعة، بالإضافة إلى توفير وسائل لنقل الأشخاص المتضررين.
وبحسب معطيات رسمية أفصحت عنها وزارة الداخلية، فقد أسفرت هذه الخطوة الاستباقية إلى غاية صباح أمس الأربعاء (4 فبراير)، عن إجلاء ونقل ما مجموعه 108 آلاف و423 شخصا إلى مدن أخرى.
إيواء
وفي سياق الإجراءات المواكبة التي اتخذتها السلطات المغربية، استقبل مخيم المركز الوطني للتخييم بـ"الغابة الدبلوماسية" بطنجة، على غرار مجموعة من المدن بشمال عددا من المتضررين من فيضانات القصر الكبير.
وجهزت السلطات المحلية بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، المخيم ليكون خيارًا استراتيجيًا احتياطيًا جاهزًا لاستقبال العائلات المتضررة من فيضانات القصر الكبير، في حال تفاقم الوضع أو تجاوز الأزمة للإمكانيات المحلية.
وأعلنت جماعة القصر الكبير أن هذا الإجراء الاستباقي، المدرج ضمن مخطط الطوارئ الجهوي، شمل تأهيل مرافق الإيواء والتغذية والصحة، وتوفير مستلزمات الإقامة، بطاقة استيعابية تناهز 1000 سرير، كبديل آمن عن الخيام الميدانية.
وأشارت إلى أن المخيم سيشكل "يقظة عملياتية"، في انتظار ما ستسفر عنه التطورات الميدانية في المناطق المنكوبة خلال الساعات والأيام المقبلة تحسبًا لأي تطورات ميدانية محتملة مرتبطة بارتفاع منسوب وادي اللوكوس.
واستحسنت مجموعة من المتضررين من الفيضانات ظروف الاستقبال.
وقال بعض من المستفيدين من خدمات مركز الاستقبال في تصريحات استقاها "طنجاوي" إن المشرفين على الفضاء بادروا إلى توفير الظروف اللائقة لإقامتهم المؤقتة.
وأشاروا إلى توفير حاجة عدد منهم إلى الملابس والأدوية ممن يعانون من مشاكل صحية.
الكلفة الاقتصادية.. "حجم الصدمة"!
وللأزمة وجه آخر لا تخفي ملامحه مؤشرات التأثيرات الاقتصادية بحسب الخبراء والمختصين في الأفق المنظور، رغم غياب معطيات رسمية بشأن كلفتها المالية بالنظر إلى
الخسائر المتوقعة التي تجمع السكن والبنية التحتية بالنسبة للاقتصاد المحلي. لكن ما نملكه هو مؤشرات "حجم الصدمة"، وفق تعبير أمين سامي، الخبير في الاقتصاد والتخطيط الاستراتيجي.
ويرى سامي في تصريح لـ"طنجاوي" أنه يمكن توقع آثار الأزمة من خلال استحضار “أضرار مباشرة وأضرار غير مباشرة”.
وأوضح أنه على المستوى الأثر المباشر، توقع أن تشمل صيانة المنازل والمحلات، والتجهيزات، والسيارات، وشبكة الماء والكهرباء، والطرق والقناطر، وتنظيف وإزالة الأوحال.
أما على مستوى الأثر غير المباشر، فإن من تمظهراته -وفق المتحدث ذاته – توقف أنشطة التجارة والخدمات، وانقطاع الدراسة والنقل، وخسارة أيام عمل، واضطراب سلاسل التموين المحلية، وتكاليف الإيواء والإطعام.
وأكد سامي أن الأثر الوطني المتوقع لهذه الفيضانات على التوازنات الماكرو-اقتصادية، وعلى مستوى النمو غالبًا محدود، لأن الصدمة يمكن القول عنها أنها محلية بامتياز.
واستدرك بالقول "لكن قد يظهر عبر هبوط ناتج الخدمات والتجارة بالمنطقة لأسابيع أو أشهر، وتعويض جزئي عبر ارتفاع نشاط البناء والإصلاحات لاحقًا.
الكوارث المناخية.. حوكمة المخاطر
ودعا إلى اعتماد استراتيجيات وحزمة سياسات عمومية متكاملة لتقليل التبعات السلبية للفيضانات والكوارث المناخية، مع حَوْكَمة المخاطر” بدل تدبير الأزمات، وذلك من خلال اعتماد إطار وطني موحد لتدبير مخاطر الكوارث يشتغل على: الفهم ثم الحوكمة ثم الاستثمار ثم الجاهزية/التعافي.
وسجل أهمية توفير الحماية اجتماعية للمتضررين من الكوارث، من خلال دعم سريع وعادل دون بيروقراطية، وإنشاء “بروتوكول دعم فوري” للأسر من خلال تحويلات نقدية مرحلية وقسائم للمواد الأساسية ودعم إعادة فتح المحلات الصغيرة، مع ربط التعويض بقاعدة بيانات وجرد رقمي لتسريع الصرف وتقليل النزاع.
المغرب ليس استثناء
ولا يعد المغرب استثناء في مواجهة تأثيرات الأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة، التي تسببت في فيضانات مدمرة حول العالم.
وعدَّت منظمة "كريستيان إيد" سنة 2025 إحدى أكثر السنوات تكلفة بالنسبة للكوارث المناخية، حيث قدر إجمالي الخسائر الاقتصادية بنحو 120 مليار دولار.
واستند المنظمة في تقرير لها على تقديرات الخسائر التي قدمتها شركة التأمين "أيون"، وتضمنت قائمة 10 كوارث طبيعية شملت حرائق الغابات، والأعاصير، والأمطار الغزيرة والفيضانات، والجفاف الذي امتدّ عبر 4 قارات.
وأسفرت هذه الكوارث مجتمعة – بحسب التقرير – عن خسائر اقتصادية بلغت 120 مليار دولار.
ولم تأخذ المنظمة في تحليلها الخسائر التي يصعب تحديد قيمتها بدقة، مثل الأضرار التي لحقت بمصادر الرزق، وفقدان الدخل، والأضرار البيئية طويلة الأمد، والنزوح الدائم للسكان.
وقالت المنظمة إنه "من شبه المؤكد أن الخسائر الحقيقية الناجمة عن الكوارث أعلى بكثير من الخسائر المؤمن عليها".
صورة قاتمة!
ورسم تقرير دولي صورة قاتمة حول المخاطر العالمية من تزايد مخاطر الفيضانات بسبب تغير المناخ والتدخل البشري في النظم الطبيعية.
وأشار التقرير، الذي أعده باحثون من "معهد قانون حفظ السلام والقانون الإنساني الدولي" بجامعة الرور في مدينة بوخوم الألمانية و"تحالف المساعدة الإنمائية" الألماني الذي يضم 11 منظمة إغاثية إنمائية، إلى أن العالم شهد العام الماضي 142 كارثة جراء الفيضانات.
وذكر التقرير بأن الفيضانات كانت ثاني أكثر أسباب الكوارث شيوعاً بعد العواصف، وكانت أكثر المناطق تضرراً منها منطقة فالنسيا الإسبانية، حيث لقي هناك في نهاية أكتوبر 2024 أكثر من 220 شخصاً حتفهم جراء الأمطار الغزيرة والفيضانات.
ويركز تقرير المخاطر العالمية هذا العام على الفيضانات، ومع ذلك، كانت العواصف سبباً في 147 كارثة.
وأفاد بأن أكثر من 1.8 مليار شخص حول العالم يعيشون في مناطق معرضة لخطر الفيضانات بشكل كبير.
وأشار التقرير إلى أن عواقب الكوارث الطبيعية تتفاقم بسبب تغير المناخ والتوسع الحضري والتدمير البيئي.
وأشار التقرير إلى أن الوقاية يمكنها الحيلولة دون وقوع العديد من العواقب.

